عبد الوهاب الشعراني
589
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
أرواحها وكانت أرواحها حانة إليها حنين الغريب إلى وطنه فإذا نفخ في الصور النفخة الأخرى طارت الأرواح من مكانها إلى أجسادها التي فارقتها بالنفخ أسرع من طيران الحمامة إلى الفرخ وهو قوله تعالى : كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [ الأعراف : 29 ] قال وتسميتهم في هذه المنازل ذرية آدم يدل على أنهم كانوا جميعا من تلك الذرات والصحيح أن الذرية فعلية من الذر كالسرية من السر وهو النكاح وهذا القدر كاف في مبحث البعث والنشور واللّه تعالى أعلم . المبحث السابع والستون : في بيان أن الحشر بعد الموت حق وكذلك تبديل الأرض غير الأرض والسماوات فأما الحشر فهو جمع الخلق للعرض على اللّه والحساب بين يديه وهو عام في سائر الخلق من خاص وعام فيحشر جميع المتقين من رسل وأنبياء وأولياء ومؤمنين إلى حضرة الاسم الرحمن قال تعالى : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) [ مريم : 85 ] وأما المجرمون فيحشرون على اختلاف طبقاتهم إلى حضرة الاسم الجبار والمنتقم قال الشيخ محيي الدين : والحكمة في ذلك أن المتقي كان جليسه في دار الدنيا أسماء الجلال والهيبة والخوف ولذلك اتقى اللّه تعالى وخاف عقابه فيحشر يوم القيامة إلى الاسم الذي يعطي الرحمة والإنس واللطف والأمان مما كان يخاف منه ويتقي ولا يجمع اللّه على عبد خوفين وقد سمع أبو يزيد البسطامي قارئا يقرأ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً ( 85 ) [ مريم : 85 ] إفصاح صيحة طار الدم من أنفه وقال يا عجبا كيف يحشر إليه من هو جليسه . قال الشيخ محيي الدين في الباب الخمسين وثلاثمائة : وإنما صاح أبو يزيد لأنه كان جليسه الأسماء من حيثما هي دالة على الذات ولم يكن مع الاسم من حيثما يطلبه حقيقة من غير دلالة على الذات فلذلك أنكر ما لم يعطه مشهده فهو شبيه الإنكار وليس بإنكار كما قال الخليل في طلبه علم الكيفية في أحياء الموتى فإن الخليل لم يكن ينكر إحياء الموتى وإنما كان يعلم أن للإحياء طرقا كثيرة وهو مجبول على طلب العلم فطلب أن يعرف بأي طريق يحيي اللّه الموتى فافهم . فلو أن أبا يزيد كان يعلم أن المتقي لم يكن جليسا للاسم الرحمن في أيام التكليف وإنما كان جليس الاسم الجبار ما تعجب من ذلك